الخميس، 12 مايو 2016

الأسرار الخفية في حرب اليمن

بقلم: كاثرين شاكدام
مركز كاتيون الدولي للأبحاث والدراسات
الأربعاء 10 مايو 2016

ترجمة: عبدالرحمن مطهر أبوطالب

إذا كانت اليمن هي الحرب المنسية في جيلنا، والقصة التي لم يرويها أحد عن الحرب العنيفة للاحتلال الكهنوتي الديني، فإن اليمن قد عانت أيضا من التعصب السياسي و التحيز الكبير لوسائل الإعلام. في عالمنا المعاصر، تجري الصراعات المسلحة على الأرض بالقدر نفسه الذي تجري عليه عبر موجات الأثير. ففي هذا المجتمع العالمي الذي نعيش فيه جميعنا، تصبح القدرة على الإدراك والفهم هي الأساس المطلق لكل شيء.

إن القدرة على الفهم، أو بالأحرى، معالجة الواقع، قد سمحت للقوى الغربية بلعب دور الإمبريالية لأكثر من عقد من الزمن في حين تغطي نفسها بالقناع المقدس للديموقراطية. يمكن للقدرة على الإدراك اليوم أن تحول مجرمي الحرب إلى أبطال، والمناضلين من أجل الحرية إلى معارضين خطرين. تذكروا أن كلمات مثل "المنشقين أو المقاتلين المتمردين" هي غالبا العدسات الدلالية التي يتم من خلالها تصوير الحوثيين.

باعتبارهم منبوذين وسط جميع المنبوذين، فقد تم اطلاق العديد من الأسماء على الحوثيين واتهامهم بالعديد من الأعمال التي لم تعرض أي جانب من الحقيقة على الإطلاق. ما يزعج حقا هو أنه نادرا ما يتم النظر إلى هذا الفصيل القبلي بتأمل لفهم الحراك الذي يتبناه قاداته، ليس من أجل أنفسهم، ولكن من أجل الشعب الذي يمثلوه في نضالهم.

ولكن دعونا أولا نعرج على الأكاذيب الرئيسية التي قيلت لكم عن اليمن!

ما الذي قيل لك عن حرب اليمن؟ ما الذي تعتقد أنه صحيح في هذه الفوضى التي تعصف بجنوب الجزيرة العربية؟ إذا كنت مثل الملايين، بل وربما المليارات من الناس في جميع أنحاء العالم الذين يعتمدون على وسائل الإعلام الرئيسية لمعرفة مايدور على الأرض، فإنك ستفاجأ تماما حين تعرف أنه "قد تم الكذب عليك". كلا، اسمحوا لي أن أعيد صياغة الجملة، لقد تعرضتم للخديعة وتم التلاعب بعقولكم لتتوافق مع الخطاب السياسي للسعودية، بحيث تتمكن حكوماتكم (الحكومات الغربية) من تبرير دعمها للإمبريالية بينما تستمر في الإدعاء بأن الديمقراطية على قيد الحياة وبصحة جيدة.

من العدالة أن هذا التلاعب ليس محكما.

لطالما تم الترويج لحرب اليمن باعتبارها حرب تهدف لاستعادة الديمقراطية في مساعي غيورة قام بها النظام السعودي لإنقاذ اليمن من طغيان الحوثيين وتطرف تنظيم القاعدة. لقد قيل لنا أيضا، في مناسبات قليلة، أن الحرب في اليمن كانت حربا للدفاع عن النفس. لا زلت أتذكر لورانس كورب، المحلل المختص في الأمن القومي والسياسة الخارحية للولايات المتحدة وهو يؤكد خلال نقاش جرى مؤخرا حول اليمن بأن المملكة العربية السعودية لها كل الحق في الدفاع عن سيادتها وأمنها الوطني!

على الرغم من أني شخصيا أحترم المبدأ الذي يقول أن كل أمة ذات سيادة تتمتع بحق طبيعي غير قابل للمصادرة في الدفاع عن النفس... بمن في ذلك ​​الفلسطينيين، إلا أنني لست متأكدة تماما  من أن هذا المبدأ ينطبق على مملكة آل سعود.

أي سبب ذلك الذي قد يجعل المملكة العربية السعودية تخشى على سيادتها؟ بالطبع لايوجد مبرر لذلك مالم يكن أن اليمن تقف إلى حد ما على امتداد المملكة. في هذه الحالة فقط أستطيع أن أرى مدى الخطر الحوثي على الرياض. إن أي سلطة دينية كتلك التي في المملكة لاتحبذ المناضلين في سبيل الحرية! أستطيع أن أرى كيف أن الحوثيين قد يشكلون تحديا صعبا لهذا البلد الذي لا يمكن أن يطوع نفسه للسماح للنساء بحمل رخصة لقيادة السيارة.

هل يمكنكم أن تتخيلوا وجود دعوات تطالب بالديمقراطية والشفافية والمساءلة السياسية في السعودية؟ لم يدرك الجسورون من هؤلاء الناس أنه في أرض آل سعود لايسمح حتى للرياح أن تتجول بحرية ... على الجميع هناك أن ينصاع لجبروت النظام الملكي السعودي، بدو نجد وطواغيت الجزيرة العربية!

ولكن اليمن بالتأكيد ليست ملكا للمملكة العربية السعودية. فبالرغم من محاولات الرياض لتغيير هذا الواقع، إلا أن اليمن لا تزال واقفة كدولة قومية مستقلة في جنوب الجزيرة العربية. هل نحتاج الى التأكيد على أن اليمن هي آخر الدول المستقلة في الجزيرة العربية وبأن المملكة في نهاية المطاف تعمل على سحق هذا الاستقلال.

الحوثيون لم يشكلوا مطلقا أي خطر على المملكة العربية السعودية - على الأقل ليس بالطريقة التي تصورها وسائل الإعلام الرئيسية. وحتى لو سلمنا بأن الحوثيين يمثلون تهديدا أيديولوجيا للمملكة العربية السعودية كون هذا الفصيل القبلي القادم من المرتفعات اليمنية قد تحول الآن إلى حركة سياسية تجسد الحرية التي تخيف رجال الدين في المملكة العربية السعودية، حتى لو سلمنا بهذا، إلا أن الحوثيين لم يخططوا لغزو المملكة ... حسنا هذا ليس صحيحا تماما!

لم يخطط الحوثيون مطلقا للتعدي على سلامة الأراضي الحقيقية التابعة للمملكة. وللتصحيح، فإني حين اتحدث هنا عن أراضي المملكة العربية السعودية، لا أقصد تلك المحافظات التي تطالب بها اليمن منذ ثلاثينيات القرن الماضي... إنه التاريخ مرة أخرى!  سأطلب منكم مرة أخرى أن تسايروني في النظر إلى الماضي لكي نفهم الحاضر بشكل أفضل.

خضعت قضية الحدود لخلاف كبير بين اليمن والمملكة العربية السعودية على مدى العقود التسعة الماضية. وعلى الرغم من أن تسعة عقود من الزمن قد تبدو وكأنها وقتا طويلا لحمل أي ضغينة إقليمية، ألا أن عليك أن تسأل نفسك فقط  إلى أي مدى ستستمر في الكفاح من أجل ما هو حق لك. دعونا لا نطلب من اليمن التخلي عن مطالبتها بأراضيها لمجرد أن هذا من شأنه أن يجعل حياتنا أسهل. وبدلا من ذلك دعونا نقدر حقيقة وضعهم.

توصلت اليمن والمملكة العربية السعودية إلى اتفاقية مبدئية على الحدود في عام 2000 - اتفاق جدة، الذي وقع عليه حينئذ الرئيس علي عبد الله صالح منهيا بالأساس ثلاث محافظات يمنية. بجرة قلم، أنهى الرئيس صالح 65 عاما من التوترات القبلية والاشتباكات المتقطعة والكثير من الاضطرابات. مفاجأة الإتفاقية أن اليمن حصلت على كومة صغيرة من القش ... وبالنسبة للرئيس صالح، يقول البعض انه تلقى دفعة نقدية بقيمة 20 مليون دولار لوضع اسمه على الإتفاقية. أما جماعات المعارضة فقد قالت للصحافة مرة أخرى في عام 2011 انهم يعتقدون ان صالح حصل على 18 مليار دولار في مقابل تعاونه لحل النزاع اليمني السعودي على الأرض.

ولكن نظرا لعدم تسريب أي وثائق بخصوص هذا الشأن، فسوف أضع هذه الادعاءات جانبا وسأعتبرها من باب القيل والقال.

يمكن إرجاع النزاع بين اليمن والمملكة العربية السعودية الى اتفاق مكة المثير للجدل الذي وقع في عام 1926. حيث أقر الاتفاق أن إمارة الإدريسي الواقعة في الجنوب الغربي والتي ضمت الثلاث المحافظات ذات النزاع الحدودي طويل الأمد (عسير، جازان، نجران)،  تنتمي الآن إلى المملكة العربية السعودية التي انشئت حديثا في ذلك الوقت.

وغني عن القول أن قبائل شمال اليمن لم تكن سعيدة بالترسيم الجديد للحدود  كون ذلك يعني تقسيم أرضهم ومناطقهم وشعبهم. ومع تقدم الوقت أصبح النزاع اليمني السعودي على الأراضي موضوع نقاشات سياسية وقبلية ساخنة، وأصبح جرحا مفتوحا وخيانة لن يغفرها سكان المرتفعات اليمنية، ولن ينسوها أبدا.

لكن السياسيين كائنات متلونة ومتقلبة... ففي عام 1934 أعادت معاهدة الطائف التأكيد صراحة على أن عسير وجازان ونجران تعد مناطق سعودية. وبموجب بنود الاتفاق أصبح شكل اليمن والمملكة العربية السعودية "نهائيا ودائما".

بالطبع لم يؤخذ حزم الحوثيين ومثابرة قبائل شمال اليمن في الحسبان.

فلم يمض وقت طويل بعد التوقيع على المعاهدة حتى جرى الطعن في شرعية الاتفاق وأعلنت جميع الحكومات اليمنية المتعاقبة منذ عام 1932 ​​رفض بنودها بحجة أنها فرضت قسرا من قبل المملكة العربية السعودية. وطالبت اليمن بعدها باتفاقية جديدة لترسيم الحدود.

وفي هذا السياق، كان لدى اليمن حليف قوي هو الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي أعلن مقولته الشهيرة "لا يمكن لأي قوة أن تهاجم الشعب اليمني ... الثورة اليمنية هي ثورتنا، وثورة كل العرب ... ويمكننا ببساطة عزل السعودية تماما عن اليمن من خلال استعادة جيزان ونجران. محافظة جيزان تنتمي إلى اليمن واغتصبها السعوديين بعد غزوها في عام 1930. اليمنيون لديهم الحق في المطالبة باستعادة جازان ونجران. سنشاركهم القتال في هذه الحرب. نحن المصريين نقف جنبا إلى جنب مع اليمنيين ... لذلك لا قوة يمكنها أن تهاجم ثورة الشعب اليمني".

لكن الرئيس السابق صالح سحق أحلام اليمنيين في استعادة أراضيهم الغنية عندما وافق في عام 2000 على التخلي عن جميع المطالبات بالسيادة على محافظات عسير وجازان ونجران.

إذا كنتم ممن يتابعون تطورات المشهد في اليمن فستتذكرون أن منظمة "عسير" الحقوقية كانت قد أعلنت في عام 2012 انها دشنت حملة وطنية لإعادة ما يسمى "بأراضي اليمن المسروقة" من المحتلين السعوديين.

وعلى الفور تم إقصاء منظمة عسير غير الحكومية واعتبارها منظمة عميلة لإيران. إيران، ذلك البيدق الشيعي في لعبة شطرنج الطائفية الكبرى للمملكة العربية السعودية. كم هو مضحك ذلك المضرب الذي يستخدم لنبذ الجماعات والأفراد بزعم صلتهم بطهران. كما لو أن هذه الجمعيات قد ورثت الإجرام ... هناك المزيد حول هذه النقطة، لماذا فشلنا في تحدي هذا البيان؟ فسواء كانت هذه المنظمة مرتبطة بصداقة مع إيران أم لا، فإن ذلك لايسلبها حقها في مطلبها الشرعي ضد الرياض. ولكن سنتحدث عن ذلك أكثر لاحقا ...

في يونيو 2012 قال لي عبد الرحمن الأشول، المتحدث باسم المنظمة، في مقابلة ان الأهداف الرئيسية له هي"خلق وعي يمني داخلي وتأسيس وتعميق أهمية الوعي الوطني للشعب حول حقوقه وأراضيه الرازحة تحت الاحتلال السعودي. تجري التحضيرات حاليا لإنشاء حركة احتجاج شعبية ومدنية ضد اتفاقيات الحدود، الطائف وجدة".

وذكر الأشول أهمية "توحيد الجبهة اليمنية الداخلية من خلال رفض سيطرة السعودية على عملية صنع القرار في اليمن وتوجيه أصابع الاتهام للشخصيات العامة التي تمد أيديها إلى المال السعودي وكذلك اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم لدعمهم وتورطهم في التخلي عن الحق التاريخي لليمن في مناطقها المحتلة من قبل جيرانها الذين يسلبون أرضها وثرواتها ومواردها الطبيعية".

استندت منظمة عسير في مطالبها على تعليق صرح به الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي في عام 1977 خلال زيارة رسمية إلى الطائف في المملكة العربية السعودية، حيث قال للملك حينها " أنا ما زلت في الأراضي اليمنية. إذا كنت ترغب في مناقشة هذه المسألة، يمكننا أن نبدأ من هذه النقطة".

كما أن الحجة الرئيسية للمنظمة هي أن الحق في الأرض لا يسقط بالتقادم. من الناحية القانونية فإن المنظمة على حق، أما من الناحية السياسية فقد وقفت المنظمة على أرض هشة جدا. لماذا؟ لأن لا أحد سيقف في وجه المملكة العربية السعودية ويعيش ليمول حكاية القصة!

لربما بدت كلماتي قاسية، لكنها صحيحة رغم ذلك. تحاول المملكة العربية السعودية الظهور بمظهر سياسي وأخلاقي مرموق مستغلة مليارات النفط والسيطرة على الموارد الطبيعية الحيوية. تحضى المملكة بثقل كبير في العواصم الغربية ... ثقل كبير في الواقع!

غير أن الحوثيين لا يهتمون بالسياسة والدبلوماسية، على الأقل ليس عندما تكون سلامة أراضي اليمن على المحك، وبالتأكيد ليس عندما يقف مستقبل اليمن في الميزان.

هل سنسمح لذلك فعلا بأن يمر؟! يمكنك أن تجادل وتقول أن ذلك شيء حدث قبل نحو 90 عاما؟! حسنا دعونا نرى كيف ستشعرون حين أقول لكم أن هذه المحافظات الثلاث سوف تدفع باليمن عاليا في سلسلة مصدري النفط. وعندما أقول عاليا، فإني أعني عاليا جدا، أعلى حتى من المملكة العربية السعودية نفسها.

هلاّ منحتوني الآن انتباهكم الكامل؟

في حال تمت استعادة الأراضي اليمنية المسروقة، فإن اليمن لن تكون الدولة الأكثر فقرا في جنوب الجزيرة العربية. قد يتمكن اليمن من الجلوس حيث كان من المفترض دائما أن يجلس، على رأس طاولة الجزيرة العربية. حينها سيكون  المال والحصول على الموارد الطبيعية هي البطاقات التي تخضع لتصرف اليمن وحدها.

اسمحوا لي أن أعرض لكم يمن آخر مختلف جدا، وهي اليمن التي لا يزال بالإمكان أن تصبح واقعا فقط إذا ما انسحبت الرياض الى وراء حدودها الحقيقية.

اليمن لا تزال اليوم واقفة على رأس أكبر دول الجزيرة العربية من حيث عدد السكان، مع ما يقدر بنحو 26 مليون شخص. كما تجلس اليمن أيضا في أعلى طريق النفط العالمي - باب المندب - وهي أداة جيوسياسية قوية يمكن أن تؤكد اليمن كدولة إقليمية عظمى. وإذا أدخلنا الآن قوتها العسكرية في المعادلة، حينها سنكون قد بنينا عملاقا اقتصاديا وسياسيا!

هل تفهم الآن لماذا تمثل اليمن كل هذا التهديد؟ هل تدرك لماذا كانت الرياض ولازالت عازمة على تدمير الحوثيين وتشويه سمعتهم.

إذا كان بإمكان السعودية أن تحكم سيطرتها دون منازع ودون عائق على الممالك في الجزيرة العربية إنطلاقا من معرفتها بأن حجمها وحده كفيل بأن يردع أيا من جيرانها الجامحون من الوقوف ضد آل سعود، فإن اليمن هي المشكلة برمتها تماما. تفوق الموارد الطبيعية لليمن تلك الموجودة في المملكة، وتستطيع قوتها العسكرية تحمل أي تهديدات خارجية بكل أريحية. أود القول أن عام 2015 قد أكد فقط مدى المرونة العسكرية لليمن في مواجهة الضغوط المتفاقمة.

ووفقا لدراسات حديثة فإن احتياطي اليمن من النفط سوف يمثل 30٪ من الاحتياطي العالمي، متجاوزا بذلك المملكة العربية السعودية نفسها. وعلى الرغم من أن اليمن لايزال إلى حد بعيد غير قادر على استغلال موارده النفطية والغازية، إلا أن اليمن قد يرتفع كعملاق في المنطقة إذا حضي بنصف فرصة. وهذه بالضبط هي الفكرة التي لاتسر آل سعود، العائلة الملكية.

http://katehon.com/article/yemens-hidden-war-secret-war-territorial-restoration

الجمعة، 6 مايو 2016

هل السعوديون على استعداد لإسقاط هادي من أجل صنع السلام في اليمن؟

بقلم: نوال المقحفي *
موقع ميدل ايست آي البريطاني
الأربعاء 4 مايو 2016

ترجمة: عبدالرحمن مطهر أبوطالب

عند مشاهدة وفدهم وهو يخرج من طائرة خاصة في مطار الكويت الاسبوع الماضي، كان من الواضح أن الحوثيين في الواقع قد قطعوا شوطا طويلا. لقد انتقلوا - في غضون أشهر - من حالة شبه الغموض إلى مستويات غير مسبوقة من الهيبة والسلطة. أو كما قال أحدهم، "من كهوف صعدة إلى جبال صنعاء".

تذكرت أول لقائي مع اعضاء وفد الحوثيين، كان ذلك عندما ذهبوا للتسوق في شوارع جنيف خلال الجولة الأولى من محادثات السلام في العام الماضي. كانت تلك هي المرة الأولى التي يسافر فيها العديد منهم خارج حدود اليمن. واليوم هاهم حيث نرى، يخرجون على السجادة الحمراء وفي استقبالهم كبار المسؤولين من وزارة الخارجية الكويتية.

على الرغم من أن المحادثات الحالية في الكويت قد بدأت منذ أكثر من أسبوعين، إلا أنه لايوجد هناك أي تقدم يذكر. كانوا قد بدأوا مترددين، حيث وصل وفد الحوثيين / صالح متأخرين ثلاثة أيام عن الموعد احتجاجا على أن حقيقة وقف إطلاق النار كانت إسمية فقط ولم يتم احترامها من قبل الطرف الآخر. ومنذ بداية المفاوضات، ضلوا دائما يطلبون وقف كامل لإطلاق النار وليس مجرد "وقف الأعمال العدائية". وعندما وصل مندوبيهم إلى الكويت، أمضوا اليومين الأولين يجادلون حول هذه النقطة بعينها.

وزير الشؤون الخارجية الكويتي، الذي كان يائسا من تحقيق ضربة دبلوماسية موفقة لصالح بلاده، توجه على الفور إلى الرياض لاجراء محادثات مع السعوديين في هذا الشأن. وعلى الرغم من التقارير التي رصدت قيام طائرات التحالف بدوريات في المجال الجوي اليمني بعد تلك الزيارة، إلا أن عدد الغارات الجوية كان قليل نسبيا منذ ذلك الحين. وهذه نتائج إيجابية بالفعل.

بالنسبة للكثيرين، أظهر هذا التحول الواضح في السياسة السعودية الحاجة الماسة من جانبهم للتوصل إلى تسوية. مع ذلك، فإنه برغم تزايد المؤشرات حول محاولات الرياض المستميتة للخروج من هذا الصراع، إلا أن عدد من الدبلوماسيين الأجانب الذين تحدثت معهم يصرون على أن السعوديين ليسوا على استعداد للبحث عن مخرج بأي ثمن. لا يزال العديد منهم يتوقعون، أو يأملون، في نوع من الانتصار.

وعلى الرغم من التأخير لمدة ثلاثة أيام في الكويت، إلا أن المحادثات المباشرة بين الحوثيين والسعودية كانت جارية منذ أسابيع وحققت بالفعل تقدما كبيرا. وقد أسفرت هذه التفاهمات حتى الآن إلى عدة تدابير لبناء الثقة شملت تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار على الحدود. بالإضافة أيضا للإتفاق على وقف الأعمال العدائية - سواء كانت الهجمات التي ينفذها الحوثيون عبر الحدود أو القصف الذي تنفذه قوات التحالف في شمال اليمن - حيث تم تعليق تلك العمليات منذ ذلك الحين.

أخبرني دبلوماسي كبير أن "الرياض هي المكان الذي تجري في المحادثات حقا". سألته أنا: ماذا عن الرئيس هادي وحكومته؟. فأجاب "في مرحلة ما، سيتوجب عليهم القبول بالرحيل". حينها تذكرت التقارير الأخيرة من اليمن، والتي تشير إلى أن العديد من وزراء هادي كانوا مشغولين ببيع عقاراتهم وممتلكاتهم في البلاد. أردت أن أقول له انهم على مايبدو قد جاءوا بكل بساطة للتفاهم حول مصيرهم وشراء الوقت.

لامزيد من القتال لأجل هادي

سألت الدبلوماسي: في حال عقد الحوثيين والسعوديين صفقة، مالذي سيحدث للقوات التي تقاتل على الارض من أجل هادي، مثل الميليشيات الموجودة في تعز وعدن؟ أجاب "أعتقد أننا قد عرفنا منذ فترة أن هذه القوات ليست تحت سيطرة هادي، وأنهم بالتأكيد لا يحاربون من أجله".

كنت قد كتبت حول هذا الشيء من قبل ولكن لم يصدقه أحد. غير أن الاستماع الى دبلوماسي بارز يذكر ذلك صراحة كان صادما. الفكرة التي تقول إن العشرات من الميليشيات المسلحة التي تجوب جميع أنحاء البلاد حاليا لا تخضع لسيطرة أي جهة هي فكرة مخيفة جدا تؤكد المخاوف من أنه حتى في حال التوصل الى اتفاق سلام في اليمن فإننا قد لا نرى السلام لسنوات، وربما لعقود قادمة.

الانتقادات الدولية للمملكة العربية السعودية كانت شديدة حيال الغارات الجوية لطائرات التحالف والمسؤولة عن غالبية الإصابات في صفوف المدنيين، بما في ذلك الغارة الجوية 27 فبراير في سوق في صنعاء والتي أسفرت عن مقتل 32 مدنيا على الاقل، وغارة جوية ثانية في 15 مارس على سوق آخر في محافظة حجة أسفرت عن مقتل 106 شخصا على الأقل، وفقا لتقارير وسائل الاعلام.

يوم 25 فبراير، اعتمد البرلمان الأوروبي قرارا غير ملزم يدعو إلى فرض حظر الأسلحة على المملكة العربية السعودية. وفي 22 مارس، أي بعد شهر، أصدرت ثماني منظمات غير حكومية من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بيانا مشتركا تدعو فيه جميع الحكومات إلى وقف توريد الأسلحة إلى جميع الأطراف في الصراع. و أكدت هيومن رايتس ووتش في مؤتمر صحفي من أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على وجه الخصوص يجب أن توقف بارسال الاسلحة الى السعودية إلى أن تنهي هذه الأخيرة الضربات الجوية "غير القانونية" وتحقق في الانتهاكات المزعومة بمصداقية.

وسط تصاعد الضغوط الدولية، كان هناك حديث مستمر عن قرار وشيك لمجلس الأمن الدولي حول اليمن. لكن ثبت أنه مجرد تهديد أجوف إلى حد كبير في ظل النفوذ السياسي الكبير للمملكة العربية السعودية في الأمم المتحدة.

في شهر مارس الماضي، بدأ أعضاء مجلس الأمن بقيادة نيوزيلندا في مناقشة حيثيات قرار يغطي قضايا وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، غير أن هذا القرار "تم تعليقه في ضوء التطورات السياسية". ورغم ذلك فقد برهنت التهديدات أنها كانت حافزا فعالا في إجبار السعوديين وحكومة هادي على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بالإضافة ألى محادثات ثنائية بين الحوثيين والسعوديين في وقت لاحق.

وبالرغم من ذلك، فأن مع كل جولة من المحادثات، يتم تأمين خطوة إلى الأمام ببطء ولكن بثبات. لقد قطعنا شوطا طويلا مقارنة بما شهدناه من مقاطعة وتراشق بالأحذية خلال الجولة الأولى في جنيف. أما الجولة الثانية، فعلى الرغم من فشلها في التوصل الى اتفاق، إلا أنها كسرت الجليد بنجاح ورأينا الطرفان يلتقيان في نفس المكان لأول مرة.

غير أن هذه الجولة الثالثة من المحادثات في الكويت هي الجولة التي يبدأ فيها العمل الجاد والشاق فعلا. فقد اتفق الجانبان على خطة من خمس نقاط تستند إلى قرار الأمم المتحدة رقم 2216 الذي ينص على ما يلي:

- انسحاب الميليشيات والجماعات المسلحة.
- تسليم الأسلحة الثقيلة.
- الترتيبات الأمنية المؤقتة واستعادة مؤسسات الدولة.
- استئناف الحوار السياسي الشامل.
- إنشاء لجنة للسجناء والمعتقلين.
مع ذلك، فإن المشكلة ليست في هذه النقاط بحد ذاتها - لأن الوفدين قد قبلا بها بالفعل - بل في كيفية تنفيذها. حيث يتركز الخلاف حول ما إذا كان ينبغي أن يتم تنفيذ ذلك بشكل متتالي أم بالتوازي مع العملية السياسية. الكيفية التي سيتم بها حل هذا المأزق من المحتمل أنها ستحدد من سيكون "الفائز" أو "الخاسر" في هذا الصراع.

يصر الحوثيون أن الخطة يجب أن تنفذ بالتوازي مع العملية السياسية، ولا سيما تشكيل الحكومة أو هيئة تابعة الدولة تكون شاملة لجميع الفصائل تقوم باستلام الأسلحة. مع ذلك يرى وفد حكومة هادي ضرورة تسليم الأسلحة والانسحاب من المدن التي يسيطر عليها الحوثيين - وهو مايعني الاستسلام الكامل - كشرط مسبق وحاسم قبل البدء في العملية السياسية. وهو الخيار الذي من الواضح أن الحوثيين ليسوا مستعدين للنظر فيه بعد أن قطعوا كل هذا الشوط في الصراع.

من جانبها، فإن التحركات الأخيرة للمملكة العربية السعودية المتمثلة في الحد من الضربات الجوية العسكرية وعقد صفقة مع الحوثيين لتأمين حدودها مع اليمن، قد أظهرت حسن نيتها ولكنها في نفس الوقت تثير تساؤلات حول ما إذا كان السعوديون لا يزالوا يشتركون  نفس الأجندة مع حكومة هادي، وهو مايضع الأخيرة في موقف حساس للغاية.

هل سيتخلى ​​السعوديون عن هادي؟

هل سيواصل السعوديون دعمهم لهادي؟ أم أنهم على وشك تقليل خسائرهم والتوصل الى اتفاق مع الحوثيين وراء الأبواب المغلقة؟

في آخر التطورات، حرص الحوثيون على اظهار أنهم قادرون ومستعدون لمواصلة القتال وشنوا هجوما على معسكر العمالقة يوم الاحد مما أسفر عن مقتل عدة جنود مخترقين بذلك وقف إطلاق النار الذي كانوا قد دفعوا إليه بشدة. وخلافا لمعظم الجنود الحكوميين الآخرين، فقد رفض الجنود في معسكر العمالقة الانحياز لأي جانب في الحرب بين الحوثيين المتحالفين مع ايران وحكومة هادي المدعومة من السعودية.

الحوثيين، الذين كانوا يتسامحون مع هذا الحياد حتى الآن، شنوا هجوما مباغتا عند الفجر على المنشأة في محافظة عمران واستولوا على مخبأ كبير للأسلحة. كان من الواضح أن الغرض من هذا هو استفزاز وترهيب الحكومة اليمنية التي ردت على هذا الاستفزاز  بتعليق المحادثات المباشرة مع الحوثيين، رغم أنها لم تنسحب تماما من المحادثات.

أخبرني مصدر مقرب من المؤتمر الشعبي العام المتحالف مع الحوثي قائلا "نحاول تهدئة الوضع في اسرع وقت ممكن". غير أن مصدر آخر، وهو مسؤول حوثي، أصر في وقت لاحق على أن السعوديين والموالين لهادي يجب "أن يفهموا أننا سنستمر في القتال اذا توجب علينا ذلك". ذكرني هذا بشيء قاله لي زعيم الحوثيين ذات مرة، عندما التقينا في صعدة قبل خمس سنوات، حيث قال "سنقاتل حتى آخر رجل واقف". إنه احتمال مرعب.

التحول في لهجة الحوثيين

التغيير الأخير في الخطاب الإعلامي للحوثي بشأن المملكة العربية السعودية يظهر بالفعل أن هناك صفقة تتشكل  بغض النظر عن تفاصيلها. وخلال مقابلة مثيرة للاهتمام أجراها محمد عبدالسلام رئيس الوفد الحوثي مع صحيفة الوطن السعودية تبعها مقابلات أخرى مع قناة البي بي سي وقناة المسيرة، أشار عبدالسلام إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها جارة اليمن و"الشقيقة الكبرى". كانت صيغة الوصف هذا غير متوقعة من عبدالسلام، حيث كانت هناك شائعات بأنه ربما قد تم التلاعب بكلماته أو إخراجها عن سياقها. لقد كنت متشككة جدا لهذا قررت أن أسأله بنفسي فيما إذا كانت تعليقاته تلك ملفقة؟ لكنه أجابني بابتسامة ماكرة "لا".

لوحظ حدوث تغيير حتى في موقف الأمم المتحدة. ففي حين كانت تصريحاتها السابقة تدعو إلى تسليم الأسلحة إلى "الحكومة اليمنية"، إلا أنها بدلا من ذلك أصدرت مؤخرا بيان تدعو فيه لنقل الأسلحة إلى "سيطرة الدولة".

ببساطة، فإن هذه الجولة الحالية من المحادثات - وكما يكررها دائما مبعوث الامم المتحدة - "هي أقرب ماوصلت له اليمن للحصول على السلام"، و ربما تكون الفرصة الأخيرة لأطراف النزاع للتوصل إلى حل من خلال الوسائل الدبلوماسية.

بشكل عام، هناك طريقان يمكن أن تتجه إليها الأحداث من هنا. إما أن يدرك الحوثيون بأن هذا أفضل مايمكنهم الحصول عليه، كذلك أيضا، تتقبل الحكومة اليمنية حقيقة أنها لن تكون قادرة على العودة إلى اليمن (حقا، هل لايزالون فعلا يرغبون بالعودة؟)؛ أو أن يقرر كلا الجانبين مواصلة القتال على الأرض والتسبب في مزيد من المعاناة الإنسانية والهلاك الكلي للاقتصاد. ليست مبالغة بهدف إثارة القلق حين نقول أن 50% من السكان يقتربون بالفعل من المجاعة، كما أن الآثار المترتبة على مزيد من الانهيار مرعبة بشكل يفوق الخيال.

قبل سفري إلى الكويت لتغطية هذه الجولة الحالية من محادثات السلام، كنت اقرأ عن مأساة البوسنة في تسعينيات  القرن الماضي وتأثرت جدا باقتباس محدد بعينة، فبينما كان رئيس البوسنة آنذاك، حارث سيلاجيتش، يجلس حول طاولة المفاوضات في الجولة الثالثة من محادثات السلام، حدث نفسه قائلا "آمل أنهم هذه المرة قد اصطحبوا ضمائرهم معهم".

عند مغادرتي الكويت، كنت اتذكر أن الوضع على الأرض في اليمن مستمرا في التدهور. لا أستطيع التنبؤ فيما اذا كان وطني الأم سيشهد السلام في وقت قريب، ولكن كل ما أستطيع أن أتمناه هو أن أعضاء الوفود حين يحضرون في محادثات الغد، سوف يجلبون ضمائرهم معهم.

* نوال المقحفي، صحفية ومخرجة بريطانية / يمنية. لديها العديد من الأعمال المميزة في القناة 4، بي بي سي أخبار، بي بي سي العالمية وبي بي سي العربية، وغيرها.

http://www.middleeasteye.net/columns/yemen-peace-talks-kuwait-1-999874964

الثلاثاء، 3 مايو 2016

هل يمكن للنظام التوافقي أن يحفظ اليمن؟

بقلم: جوزيف كوزا
الثلاثاء 3 مايو 2016
منظمة فير أوبزيرفر الأمريكية

ترجمة: عبدالرحمن مطهر أبوطالب

مسودة الدستور اليمني الجديد لا تضع آليات لتقاسم السلطة كافية لضمان قدرتها على البقاء. وكانت لجنة صياغة الدستور قد انتهت في يناير 2015 من إعداد اقتراح شكل الدولة اليمنية لما بعد الحرب، وقد نصت الوثيقة على إنشاء دولة فيدرالية من ستة أقاليم. رفض المتمردون الحوثيون هذه الوثيقة على الفور. يعارض الحوثيون التقسيم الفيدرالي السداسي على وجه الخصوص، ويفضلون بدلا من ذلك شكل الإقليمين بين الشمال والجنوب والذي من شأنه تعزيز مكاسبهم في زمن الحرب. هذا الحل بعيد الإحتمال نظرا لأنه يمكن أن يؤدي إلى الانفصال النهائي لجنوب اليمن. وبعيدا عن قضية التقسيم الإقليمي، خلقت مسودة الدستور هيكلا مؤسسيا غير مستقر لايضع آليات كافية لتقاسم السلطة تضمن قدرتها على البقاء.

ونظرا لكون المفاوضين مجتمعين في الكويت لاستئناف المحادثات، فمن المهم النظر إلى نظام بديل لبناء المؤسسات لمرحلة ما بعد الصراع. فبدلا من النظام الرئاسي المقترح في مشروع الوثيقة، يجب على واضعي الدستور الجديد اقتراح نظام شبه رئاسي ونموذج توافقي يتبنى جوانب الهياكل الدستورية الأخرى لما بعد الصراع في المجتمعات المنقسمة بعمق.

التوافقية في المجتمعات التي تعيش انقساما حادا:

لطالما كان نظام الحكم التوافقي نظرية بارزة ومثيرة للجدل في مسألة بناء المؤسسات بعد الصراع منذ ما يقرب من نصف قرن. وكان آريند ​​يجبهارت هو أول من اقترح نظرية الديمقراطية التوافقية في كتابه الذي أصدره عام 1969، وقد تم تطبيق هذه النظرية في الدول التي تحتوي على التنوع السكاني مثل أيرلندا الشمالية ولبنان والعراق. يبحث التوافقيون عن "حل ديمقراطي للمجتمعات لمواجهة الانقسام العرقي المتين والصراع السياسي الدائم". وللقيام بذلك، يتم بناء المؤسسات لضمان كلا من الحكم الذاتي الإقليمي وتقاسم السلطة التنفيذية ضمن دولة فيدرالية في كثير من الأحيان. يتبنى مناصري نظرية التوافق أربعة مبادئ رئيسية هي: تقاسم السلطة التنفيذية، الحكم الذاتي، التناسب، وحق النقض.

لا تخلو نظرية نظام الحكم التوافقي من الإنتقاد. حيث يعتقد الكثيرون أن الأنظمة التوافقية ترسخ الانقسامات الطائفية وتمنح الامتياز للنخب الطائفية و استرضاء الفصائل الراديكالية وتفشل في أن تؤدي إلى قيام دولة متكاملة متماسكة. ولكن على الرغم من هذه الانتقادات، فأن الهياكل التوافقية تضمن بناء الثقة بين الفصائل التي من غير المحتمل أن تندمج مع بعضها في المدى القصير وتضمن اشراك القوى الراديكاليه في النظام بدلا من ابقائها خارجه حيث  يمكن حينها أن تكون قوى لزعزعة الاستقرار. كما أن التناسب وحق النقض الذي يؤمنه النظام التوافقي يضمن أيضا الإنصاف ويبني الثقة في النظام.

تقاسم السلطة التنفيذية:

لاتوجد وصفة توافقية واحدة للمجتمع، فالدول المنقسمة بشدة التي طبقت مفهوم الهياكل التوافقية فعلت ذلك بطرق مختلفة. يمكن أن يكون هناك هيكل توافقي في اليمن يختلف كثيرا عن الهيكل الوارد في مسودة الدستور من شأنه أن يخلق احتمالا أفضل للسلام. أولا، يمكن بالتأكيد التحول من النظام الرئاسي إلى نظام شبه رئاسي وإعادة تقييم الهيكل الاتحادي ذو الستة أقاليم في ضوء المعارضة الكبيرة الحوثيين.

تقاسم السلطة التنفيذية يمثل جانبا هاما من الأنظمة التوافقية ويضمن تساوي الأصوات في حكم دولة منقسمة بشدة. تدعو مسودة الدستور الحالي لليمن بأن الرئيس ونائب الرئيس يجب أن يكونا من مناطق مختلفة (المادة 180). ومع ذلك، فإن نظام شبه رئاسي مع رئيس ضعيف يعتبر بنية أكثر استقرارا لحالات ما بعد الصراع خاصة في الدول التي لديها تاريخ من سوء معاملة السلطة المركزية. لذلك، يمكن للنموذج التنفيذي الذي تستخدمه أيرلندا الشمالية أن يكون أكثر فعالية. يوفر هذا النموذج سلطات متساوية لرئيس الوزراء ونائب رئيس الوزراء، واحد من الشمال والآخر من الجنوب. ويجب أن يكونا قد انتخبا في بطاقة انتخابية مشتركة تخضع للتصويت داخل المجتمع تتطلب إما "التوافق المتوازي" مع أغلبية الممثلين عن كل من الشمال والجنوب، أو "الأغلبية المرجحة" مع 40٪ من ممثلين عن كل من الشمال والجنوب و60 ٪ من البرلمان بأكمله.

هذا بدوره يعني أن استقالة احدهما تؤدي تلقائيا لاستقالة الآخر. ولضمان التمثيل المناسب في السلطة التنفيذية، يجب استخدام طريقة ديفوار هوند في تعيين المناصب الوزارية، وهي الطريقة التي يتم فيها منح أكبر الأحزاب المناصب التي تتناسب مع حصتها من الأصوات دون الحاجة إلى المفاوضات الائتلافية. وينبغي أن تكون صلاحيات الرئيس محدودة ومقصورة على القيام بالمراسيم ولفترة واحدة مدتها ست سنوات بحيث يتم اختياره من قبل البرلمان عن طريق تصويت داخلي على أن يكون هناك تناوب في منصب الرئيس في كل فترة بين الشمال والجنوب.

الحكم الذاتي:

لعب الحكم الذاتي دورا حاسما في مسودة الدستور الجديد لليمن. مع ذلك، تم بشدة رفض الأسلوب الحالي في تقسيم الأقاليم. في ضوء هذا الرفض، قد يكون النموذج الفيدرالي العراقي بديلا أفضل. يمكن للدولة وفق هذا النموذج أن تحتفظ بمحافظاتها الواحد والعشرين الحالية والتي قد يتم منحها صلاحيات معينة. عندئذ يمكن أن تعطى هذه المحافظات خيار الانضمام معا لتشكيل الأقاليم التي من شأنها أن تمنحها صلاحيات إضافية، وذلك عن طريق الاستفتاء.

يمكن من خلال هذا النظام أن يتم تشكيل الأقاليم بطريقة دستورية مستندة على الإرادة الشعبية. وعلى الرغم من أن هذا النظام لا يستبعد إمكانية قيام دولة من إقليمين، إلا أنه يخلق العوائق أمام هذه النتيجة. يخشى البعض في العراق أن هذا النموذج من شأنه أن يؤدي إلى مناطق سنية وشيعية كبيرة. ولكن هذا لم يحدث قط. ستعطى كل محافظة ممثلين في المجلس الاتحادي وسيتم تعيين ممثلين إضافيين لكل إقليم يتم تشكيله من المحافظات. وتماشيا مع مسودة الدستور الحالي، يمكن أن تعطى محافظتي صنعاء وعدن وضعا خاصا لا يسمح لها بالانضمام للأقاليم.

التناسب:

النظام الانتخابي النسبي يضمن التمثيل العادل لرغبات المواطنين. النموذج المثالي هو التمثيل النسبي مع تصويت واحد قابل للتحويل في المناطق متعددة أعضاء، وهو مايعرف بنظام (PR-STV) الإنتخابي. هذا النظام من شأنه أن يسمح بنمو العديد من الأحزاب والتعبير عن رغبات متعددة في صناديق الاقتراع. تنفيذ نظام الانتخابات النسبي على المستويين المحلي والوطني قد يوفر أيضا قدرا أكبر من التمثيل لقبائل اليمن ويسمح لهم بالتنافس ضد الأحزاب الكبيرة التي لاتحضى بالرغبة لدى كثير من المواطنين. كما جاء في مسودة الدستور أن الجنوب ينبغي أن يمثل بحصة   40٪ (المادة 139).

حق النقض:

يضمن مفهوم حق النقض أنه لا الشمال ولا الجنوب يمكنه أن يسيطر على العملية التشريعية. يجب أن تتوافر أساليب التصويت المذكورة أعلاه - التوافق المتوازي والأغلبية المرجحة - كأساس لتمرير التشريعات التي من شأنها أن يكون لها تأثير كبير على الدولة أو من شأنها أن تؤثر بشكل متفاوت سواء في الشمال أو الجنوب. ويجب على المجلس الاتحادي أيضا الحصول على دعم ما لا يقل عن ثلث الممثلين من الجنوب لتمرير أي جزء من التشريعات (المادة 143).

اليمن أولا:

لمكافحة الضغوط الخارجية المفروضة من قبل المملكة العربية السعودية وإيران، ينبغي النظر في حكم مماثل لما هو حاصل في لبنان، يتم بموجبه التخلي عن الانتماءات الإقليمية والإستعاضة عنها بسياسة "اليمن أولا". بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يتم التأكيد على نزع كامل  السلاح للقوات المتمردة ومساواة تمثيل الجنوب والشمال في الجيش.

حرية الدين وحقوق الأقليات يجب أن تكون مضمونة ويجب احترام القانون والتقاليد العرفية لمختلف قبائل اليمن. ولهذا، ينبغي النظر في مبدأ التوافق وضمان أن أي تفكيك لليمن سيخضع للاستفتاء على مستوى الأمة. الدستور الجديد قد يحتاج أيضا إلى توفير قدر أكبر من الوضوح بشأن تقسيم السلطات بين مختلف المستويات الحكومية وتخصيص عائدات الموارد الطبيعية.

هناك تفاؤل متجدد من أجل السلام نتيجة لاجتماع الطرفين في الكويت لعقد جولة جديدة من المفاوضات. ومن أجل سلام جديد دائم، يجب مع ذلك أن تبنى المؤسسات المناسبة لضمان الاستقرار والثقة من خلال تقاسم السلطة. الهيكل التوافقي يمكن أن يوفر أفضل وسيلة لحل الصراع وبناء الثقة بين الشمال والجنوب وضمان الحكم الذاتي في إطار نظام فدرالي شبه رئاسي.

http://www.fairobserver.com/region/middle_east_north_africa/can-consociationalism-save-yemen-11272/