الثلاثاء، 24 نوفمبر 2015

تخوض السعودية حربا في اليمن بمساعدة الولايات المتحدة

باول مكليري
فورين بوليسي - واشنطن
الإثنين 23 نوفمبر 2015

ترجمة: عبدالرحمن أبوطالب

أصبح مشهد القنابل العنقودية التي لم تنفجر شائعا على نحو واسع في مزارع اليمن والقرى الصغيرة، وصارت تذكير بصري لاستمرار الحرب الجوية السعودية هناك ودور واشنطن الكبير والمبهم في تسليح وتموين طائرات الرياض الحربية.

عندما بدأ التحالف العربي السني الذي تقوده السعودية حملته العسكرية ضد حركة التمرد الحوثي المدعومة من ايران في مارس الماضي، وعد الحلفاء حينها بحرب جوية خاطفة وحاسمة لإخراج المتمردين من العاصمة صنعاء. ولكن بعد ثمانية أشهر، اشتدت فقط ضراوة القتال. في البداية اقتحمت القوات البرية السعودية والإماراتية البلاد بآليات عسكرية أمريكية الصنع كجزء من حملة لتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة وإعادة الرئيس المخلوع عبد ربه منصور هادي إلى السلطة. وانضم المئات من الجنود من مصر وقطر والسودان لاحقا لهذه القوات.

وفي حين كان القتال على الأرض شديدا، فإن الغارات الجوية هي التي تسببت في إحداث معظم الدمار، تحلق الطائرات الحربية في سماء صنعاء والقرى الصغيرة في جميع أنحاء البلاد بحثا عن أهداف عسكرية ولكنها في الغالب تقوم بقصف المدنيين بدلا من ذلك. وتقدر الأمم المتحدة أن الحرب قد أسفرت عن مقتل أكثر من 2500 من المدنيين، بينهم المئات من النساء والأطفال.

أصر القائد الأعلى للقوات الجوية الملكية السعودية مؤخرا ان بلاده "متمسكة بالقواعد والقوانين الدولية واتفاقية جنيف، في المقام الأول، وكذلك قانون النزاعات". وعلى الرغم من ارتفاع عدد القتلى المدنيين فقد قال "نحن لا نستهدف المدنيين".

تتعرض الرياض لانتقادات عنيفة من جماعات حقوق الإنسان في الخارج الذين يتهمون القوات الجوية السعودية بقصف أهداف مدنية مع عدم إجرائها لتحقيقات حول ذلك أو اقرارها بالمسؤولية. وفيما يخص الاتهامات بقتل المدنيين، قال جو ستورك، نائب مدير الشرق الأوسط و شمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش " من الالتزامات الواجبة على أي طرف من الأطراف المتحاربة هو إجراء تحقيق جدي". وأضاف "السعوديون بكل بساطة لم يفعلون ذلك."

ولكن بعض ذلك اللوم يجب أن يلقى على واشنطن نظرا لأن حملة القصف اليومي لم تكن لتتم لولا الحضور المستمر لطائرات النقل الأمريكية التي تزود طائرات التحالف بالوقود بالإضافة إلى قيام مقاولي وزارة الدفاع ببيع أسلحة موجهة بدقة للرياض وحلفائها بقيمة مليارات الدولارات.

بدأ إقلاع الطائرات الأمريكية لدعم الحملة العسكرية في 5 أبريل، أي بعد أقل من أسبوعين منذ بداية سقوط القنابل في اليمن أواخر مارس الماضي. ووفقا للأرقام التي قدمتها وزارة الدفاع فإن ناقلات الوقود الأمريكية الجوية قد نفذت، حتى 13 نوفمبر،  471 طلعة جوية زودت فيها طائرات التحالف بالوقود 2443 مرة. وقد بلغ مجموع ساعات الطيران للرحلات الجوية الأمريكية ما يقرب من 3926 ساعة أفرغت خلالها مايزيد عن 17 مليون باوند من الوقود.

أغلب الطائرات المقاتلة التي يقودها الطيارون العرب في التحالف أمريكية الصنع وتستخدم ذخائر أمريكية الصنع في المقام الأول، وقد تم تعزيزها مؤخرا بسلاح وعتاد بقيمة 1.29$ مليار دولار وافقت واشنطن على بيعها للمملكة العربية السعودية. وتشمل صفقة البيع 22 ألف قنبلة، و 1000 قنبلة محسنة موجهة بالليزر، وأكثر من 5000 طقم من المعدات التي يمكنها تحويل القنابل القديمة إلى قنابل موجهة عن بعد بواسطة الـ GPS.

وعلى الرغم من عدد القتلى المدنيين نتيجة الغارات الجوية إلا أن كبار ضباط الولايات المتحدة لا يشعرون بالخجل من الحديث عن تورطهم في التخطيط للحرب. قال الجنرال تشارلز براون، قائد القيادة المركزية للقوات الجوية الأميركية، في حديثه للجمهور خلال معرض دبي للطيران الذي عقد في وقت مبكر من هذا الشهر، أن العاملين في الجيش الأميركي يعملون حاليا خارج مركز العمليات السعودي لمساعدة السعوديين في التخطيط للهجمات الجوية اليومية وتقديم المساعدة الإستخباراتيه لتنسيق الطلعات الجوية.

وفي الوقت نفسه، تقف إدارة أوباما بقوة وراء حلفائها الخليجيين. وفي وقت سابق من هذا الشهر، صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية مارك تونرسايد "السبب وراء الضربات الجوية التي يقوم بها السعوديين هناك هو العنف الجاري الذي يسببه المتمردين الحوثيين." واعترف بأن الضربات أدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين لكنه لم يتطرق إلى تحميل أي طرف المسؤولية عن ذلك قائلا أن صناع السياسة الامريكية "يدعون دائما إلى ضبط النفس في تنفيذ هذا النوع من الضربات الجوية" عندما تكون بالقرب من المناطق المدنية.

مع ذلك، تمثل الحملة العسكرية الجوية وتداعياتها على المدنيين كدمة سوداء في عين واشنطن. فبعد أسابيع فقط من قيام طائرة أميركية طراز AC-130 بقصف مستشفى أطباء بلا حدود في قندوز بأفغانستان أسفر عن مقتل 14 من العاملين في المنظمة، قامت طائرة سعودية مشبوهة بضرب مستشفى آخر لمنظمة أطباء بلا حدود في اليمن. وفي حين تقول المنظمة انه لم يقتل أحد في الحادث الذي وقع في 26 أكتوبر، إلا أن تدمير المستشفى من المرجح أنه ترك ما يزيد عن 200 ألف يمني دون رعاية صحية. وبينما نفت الرياض مسؤوليتها عن الضربة الجوية، فقد كان رد فعل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون سريعا، مصرحا بأنه "يدين الغارات الجوية التي تنفذها قوات التحالف بقيادة السعودية".

http://foreignpolicy.com/2015/11/23/in-yemen-a-saudi-war-fought-with-u-s-help/

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

اليمن ليست باريس: لامبالاة الإعلام الغربي

جالفير ديلقادو ريفيرا
أوبن ديموكراسي - لندن
الأحد 22 نوفمبر 2015

ترجمة: عبدالرحمن أبوطالب

| اليمن دولة فاشلة دمرها القتال و قتل الآلاف من المدنيين جراء معاناة واسعة النطاق وحضور قوي للجهاديين. قليل جدا من العناوين الصحفية تطرقت لهذا |

لم تكن اليمن سلعة رئيسية في وسائل الإعلام الغربي على الإطلاق. ولكنها طفت إعلاميا على السطح مع أحداث الربيع العربي و انسحاب علي عبد الله صالح في فبراير 2012 من منصبة كرئيس للبلاد بعد ثلاثة وثلاثين عاما كان فيها الرجل القوي. في يناير من هذا العام عادت اليمن للظهور مجددا على شاشاتنا عندما سيطر الحوثيون، وهم جماعة شيعية زيدية، على الحكومة. وردا على ذلك، بدأ التحالف السني بقيادة السعودية وبدعم أمريكي بقصف جنوب البلاد في مارس لإضعاف المتمردين. ووسط الفوضى وغياب المؤسسات، تمكن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وأتباع الدولة الإسلامية في المنطقة من تعزيز وجودهم في هذه الزاوية من الشرق الأوسط.

تسببت هذه السلسلة من الأحداث بكارثة إنسانية في اليمن. ووفقا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، فإن أكثر من 84٪ (21.1 مليون) من اليمنيين غير قادرين على توفير الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمياه والإمدادات الطبية. وقد اضطر نحو 1.5 مليون يمني للنزوح من منازلهم. وقتل أكثر من 5600 شخص منذ مارس، منهم حوالي 2700 من المدنيين.

وقد تفاقم هذا الوضع من خلال الحصار البحري الذي دبرته قوات التحالف بقيادة السعودية لقطع الامدادات على الحوثيين. وبالكاد تقوم اليمن الآن باستيراد الغذاء أو الوقود اللازم للحفاظ على المولدات الكهربائية وسيارات الإسعاف ومضخات المياه العاملة. بعد زيارته لليمن في أغسطس الماضي، قال بيتر مورير رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر "اليمن في خمسة أشهر مثل سوريا بعد خمس سنوات ... يحتاج العالم أن يستيقظ وينتبه لما يجري". لاتزال التغطية الإعلامية عن اليمن مخزية حتى الآن، لاسيما فيما يتعلق بالوضع الإنساني المتردي فيها. ولكن لماذا هذا؟

الحقيقة هي أن واحدا من أفقر دول العالم وأكثرها جوعا والذي ضربته فوضى قاتله من صنع الإنسان، قد فشل في إحداث تأثير مستدام في وسائل الإعلام الغربية بنفس الطريقة التي فعلته صراعات مماثلة. وبحسب سارة روي، مساعد في مركز هارفارد لدراسات الشرق الأوسط، فإن الحرب الأهلية الليبية التي أطاحت بالقذافي وأدت لمقتله عام 2011، أو العملية العسكرية الإسرائيلية ضد حركة حماس في قطاع غزة في صيف 2014 قد أنتجت سخطا إعلاميا أو "شعورا أخلاقيا ملحا بالمسؤولية" أكثر بكثير مما فعله، وسيفعله، الصراع في اليمن رغم أن عدد المدنيين الذين قتلوا في اليمن أكثر من اللذين قتلوا في غزة.

لقد شكل العدد القليل جدا من المراسلين الدوليين والمحليين على الأرض تحديا أمام مسألة التحقق من صحة الوقائع. يقول شارلين رودريغيز، وهو صحفي مستقل يقيم في العاصمة اليمنية صنعاء "الصحفيون المحليون إما فروا إلى قراهم أو غادروا البلاد، وهناك عدد قليل من الصحفيين الأجانب في البلاد بعيدين قليلا عن الاضواء". مع غياب أو خطورة الطرق البحرية والبرية لليمن، فإن الرحلات الجوية بمعدل مرتين كل اسبوع إلى صنعاء تحت سيطرة السعودية تمثل الى حد كبير الخيار الوحيد للصحفيين الأجانب لدخول البلاد.

يقول عماد عون المدير الإعلامي لأوكسفام اليمن " يستجيب الجمهور بشكل أفضل للقصص الإنسانية والصور ومقاطع الفيديو التي ترسم صورة لما يكون عليه وضع العيش تحت الحصار و وسط الحرب. ولكن في حالة اليمن فإن هذه المنتجات شحيحة على أرض الواقع. بدون الصحفيين في البلاد، تتلاشى اليمن ببطء من وعي الناس".

أصبحت مواكبة الأحداث من داخل البلاد شحيحة جدا عندما أغلقت القوى الدولية الكبرى سفاراتها وأجلت دبلوماسييها في أعقاب قرار الامم المتحدة منتصف أبريل المطالب بإنهاء العنف في اليمن.

ونظرا للنقص الشديد في عدد الصحفيين والدبلوماسيين فقد أصبح المئات من عمال الاغاثة الناشطون في البلاد مصدرا رئيسيا في مواكبة تغطية الأحداث من الميدان. وتحافظ وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الخيرية مثل الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود على حضور كبير. وفي أواخر أكتوبر، ظهرت أخبار قصف الغارات الجوية السعودية للمستشفى الوحيد في منطقة شمال غرب حيدان والذي تديره منظمة أطباء بلا حدود بفضل إدانة عمال الاغاثة في المنظمة. يستخدم العاملين في المؤسسات الخيرية احيانا قنوات وسائل الإعلام الرئيسية لتسليط الضوء على الوضع المروع في اليمن التي مزقتها الحرب.

يقول كارل شمبري، المستشار الإعلامي في مكتب الشرق الأوسط الإقليمي للمجلس النرويجي لللاجئين "إنه لأمر مأساوي أن 61% من اليمنيين كانوا بحاجة للمساعدات الإنسانية حتى قبل اندلاع الأزمة الحالية. وقد استمر ذلك لنحو عقد من الزمان بعيدا عن أي تغطية في وسائل الإعلام". وبحسب صوفيا دينغلي، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة هال، فإن هذه اللامبالاه الإعلامية قد تعززت نتيجة انطواء الطبقة السياسية الغربية لا سيما "غياب المشاركة السياسية لليساريين [التي ظهرت بالفعل مع قضية فلسطين]".

يقول فينان كانينغهام، وهو كاتب مساهم لروسيا اليوم، أن حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا متورطة في جرائم خطيرة "وتتحمل المسؤولية" نظرا لأنها تقدم الدعم الاستخباراتي واللوجستي للتحالف العربي وهو ماورد عن [سي إن إن والبي بي سي وفرنسا 24]". لايمكن أن نعزو لامبالاة وسائل الإعلام الرئيسية حيال هذا الصراع إلى عدم أهمية اليمن. حيث أن الدور المحتمل لليمن باعتبارها أحد موردي النفط إلى الغرب وسيطرته على ميناء عدن الرئيسي الذي يمثل بوابة الدخول إلى البحر الأحمر والبحر العربي، بالإضافة لقرب اليمن من الصومال المضطربة والموقع الاستراتيجي لصنعاء في الصراع السني الشيعي، كل هذا يجعل اليمن منطقة هامة للقوى الغربية والإقليمية لاحتواء الوضع هناك.

بالنظر إلى الصراع اليمني الذي تفوقت عليه فوضى السوريين والعراقيين، فإنه لا يزال من المستغرب أن تكون طبيعة التدخل العربي في اليمن قد فشلت في إثارة ما يكفي من علامات الإستفهام. الحقيقة الجلية هي أن قيام المملكة المستبدة السعودية الغامضة والغنية بتوجيه أنظمة استبدادية كالنظام المصري والسوداني في الاعتداء الدموي على واحدة من أفقر دول العالم يجب بالتأكيد أن يدفع المحررين الغربيين لإلقاء نظرة أقرب بكثير إلى اليمن.

من بين كل القنوات الإخبارية الرئيسية الغير مملوكة للدولة والتي تبث اخبارها باللغة الإنجليزية هناك فقط أربع قنوات تغطي الصراع في اليمن بشكل واسع. تقدم قناة روسيا اليوم وتلفزيون إيران برس تقارير يومية تقريبا عن الفظائع التي ترتكبها قوات التحالف الذي تقوده السعودية ضد المتمردين الحوثيين المتحالفون مع إيران.

على الجانب الآخر، تبقى قناة الجزيرة القطرية موضوعية بعض الشئ في تقاريرها الموسعة عن الصراع، حيث كان الخبر الأبرز حضورا في الذاكرة هو أن قطر أرسلت 1000 جندي إلى اليمن كجزء من التحالف العربي. وفي نفس الوقت، لاتفعل قناة العربية المملوكة للسعودية أكثر من تمجيد تقدم التحالف العربي في مايمكن اعتبارة حربا إعلامية في مواجهة قناتي روسيا اليوم و إيران برس.

عودة الزخم الإعلامي لداعش عقب مجزرة باريس ستضع اليمن في محل انتباه المعلقين قريبا. الفوضى الدموية التي تجتاح البلاد وزيادة المظالم الناجمة عن الغزو العربي ستضمن انتشار الطائفية والجهاديين لعدة سنوات قادمة. يجب على وسائل الإعلام أن تلعب دورا استباقيا في تحذير قادتنا من أن عراق آخر و سوريا أخرى هي الآن في طور التكوين.

https://www.opendemocracy.net/arab-awakening/javier-delgado-rivera/yemen-is-not-paris-western-media-s-cold-shoulder

الأحد، 22 نوفمبر 2015

بعد مالي وباريس، متى ستنتهي هذه الموجة الأخيرة من الهجمات الإرهابية؟

جيسون بيرك - صحيفة الجارديان
الأحد 22 نوفمبر 2015

ترجمة: عبدالرحمن أبوطالب

يبين لنا التاريخ أن التطرف الإسلامي قد جاء في مراحل زمنية مختلفة منذ الستينات في القرن الماضي. هذه هي المرحلة الرابعة. وعلى الرغم من أن جهاديي اليوم سيسقطون بالتأكيد في الوقت المناسب، فمن الخطأ أن نرى ذلك على أنه نهاية اللعبة.

تكوم الغبار في باماكو، مالي، وتساقط الرذاذ على ساحة القصر الجمهوري في باريس، وبروكسل تخشى "هجوم وشيك". هاهو ذا أسبوع آخر يبدأ.

بعد أهوال الأيام التسعة الماضية، يخشى الملايين في جميع أنحاء العالم حدوث المزيد من العنف في قادم الأيام. وفي هذا، نجح الإرهاب في تحقيق هدفه الرئيسي المتمثل في الترهيب أو إشاعة التوتر الغير متناسب مع التهديد الذي يتعرض له الشخص. لقد تم إنشاء مناخ من الخوف. وهذا، على ما يبدو، هو أنسب وقت للقتل، سواء في والفنادق والمقاهي وقاعات الحفلات الموسيقية أو على متن الطائرات أو في أي مكان آخر.

السؤال الذي يطرحه الكثيرون بسيط جدا، متى سينتهي هذا؟ الجواب القصير والمحبط هو أن هذا قد يستمر لعقود.

لكي نفهم السبب، نحن بحاجة الى ان ننظر الى الوراء فضلا عن أن ننظر إلى الأمام. لم تأتي موجة الإرهاب الحالية هذه من العدم، ولكن لها جذور تمتد إلى 40 سنة أو أكثر. سيقول البعض، لاسيما اليمينيون، أن القصة تعود مرة أخرى إلى ولادة الإسلام في القرن السابع الميلادي. فيما سيشير البعض الآخر، وغالبا هم اليساريين، إلى أنها ردة فعل ضد موجات متتالية من الإمبريالية الغربية في العالم الإسلامي والتي بدأت في عام 1798.

في الواقع، فإن العنف الذي نواجهه اليوم على الرغم من تأثره بعوامل متصلة  بقرون خلت، إلا أنه بدأ في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عندما تدفق الفكر الإسلامي من الهامش نحو المجتمعات كجزء من طفرة دينية عابرة للحدود في العالم الإسلامي. ومع فشل الأنظمة التي استوحت الشعارات الغربية كالقومية والعلمانية والاشتراكية في التعامل مع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الحادة، فإن مايسمى بالبديل الموثوق المبني على الإيمان صار مطلبا جماهيريا. استولى الاسلاميون في إيران على السلطة في عام 1979 مندفعين بالشعارات التي أصبحت مألوفة الآن ضد الغرب وإسرائيل والانحطاط والظلم الاجتماعي.

في الواقع، فإن فكرة أن الدولة الحديثة يجب أن تعمل وفقا لتفسير معين للتعاليم الإسلامية كانت بعيدة كل البعد عن ما يدعيه أنصارها. كما ظهر مذهب محافظ آخر أكثر تشددا وتصلبا وصفه النقاد بالوهابية معززا برجال دين ممولون من عائدات النفط الخليجي. وعلى هامش هاتين الحركتين نشأ رجال عنيفون كأولئك الذين استولوا على المسجد الحرام في مكة المكرمة في عام 1979 أو أولئك الذين قتلوا الرئيس المصري أنور السادات في عام 1981، أو الذين فجروا أنفسهم في لبنان في بداية الثمانينات. وهاهو العالم يستيقظ على تهديد جديد. في نهاية المطاف فإن حملات القمع في مصر وأماكن أخرى، مثل تلك التي تسببت بقتل الآلاف من الإسلاميين في سوريا في عام 1982، في الواقع قد كبحت المشكلة. ولكن بشكل مؤقت فقط.

وجائت المرحلة الثانية من النشاط الإسلامي المصحوب بتشدد عنيف بعد عقد من الزمن. وقد اشتمل ذلك على دعم قدامى المحاربين المشبعين بأفكار الصراع في أفغانستان علاوة على قمع الإسلاميين "المعتدلين" والضغوط الاقتصادية في العالم الإسلامي. ولكن هذه المرحلة كانت مميتة، حيث تسببت الصراعات الأهلية في الجزائر ومصر والأردن وغيرها في مقتل مئات الآلاف. كان العنف وحشيا مع ارتكاب المجازر وقطع الرؤوس. ومن ناحية أخرى، كان تطوير تقنيات الهجمات الانتحارية جار على قدم وساق، و انصهرت التوأمة الإسلامية المتمثلة في المشروع السياسي والمذهب الوهابي لتشكل عقيدة جديدة وقوية. هذه المرة، أدى الاستنزاف والانقسام داخل الفصائل المسلحة، فضلا عن القمع، إلى إضعاف حدة التهديدات.

وجاءت المرحلة الثالثة في نهاية التسعينات من القرن الماضي. هذه المرة كان الهدف عالمي. أطلق تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن سلسلة من الضربات بلغت ذروتها في هجمات 11/9 عام 2001. زادت هذه الحملة من العنف الدولي جراء غزو العراق واستمرت حتى نهاية العقد الماضي، حين بدأت أيضا بالتلاشي. وقد كان العامل الرئيسي هذه المرة هو رفض المسلمين في جميع أنحاء العالم لأفكار وأساليب بن لادن بعد أن كانت المؤشرات قد أظهرت في وقت مبكر انجذاب البعض لها. ومع تدهور القاعدة نفسها وقطع رأسها في نهاية المطاف - تم قتل بن لادن في عام 2011 - بدا مسؤولو الأمن أكثر سعادة مما كانوا عليه منذ سنوات. كان التهديد الرئيسي، كما قيل حينها، مجرد "ذئاب وحيدة" دون قائد.

ثم جاءت هذه المرحلة الجديدة، متمثلة في تبعات الربيع العربي والعنف البشع في سوريا وفشل العراق (وصنع السياسات الغربية في الشرق الأوسط) والمشاحنات الإقليمية وتجدد التنافس بين الشيعة والسنة وصعود تنظيم الدولة الإسلامية. أضف إلى ذلك أزمات متعددة في أوروبا، بما فيها أزمة توحيد طبقات المجتمع بدمج الصغار المولودين محليا من آباء خلفياتهم الإسمية إسلامية، ثم ها نحن على ما نحن فيه اليوم.

هذه الخلفية التاريخية تخبرنا العديد من الأشياء. وهو ما يفسر، على سبيل المثال، طبيعة التركيبة الهجينة لداعش، كون ذلك أحد الأسباب التي تجعل التهديد الذي تشكله على درجة عالية من التعقيد. هذه المنظمة تقترض عناصرها من كل المراحل التي ذكرناها آنفا. فهي تقتبس من فترة السبعينات رؤية الدولة الاستبدادية التي يجب إنشاها إذا لم يكن بالإمكان الحصول عليها. و تأتي الهجمات الوحشية وعمليات الانتحار من فترة التسعينات. أما مشهد الحملة العالمية للهجمات الإرهابية فتأتي من بدايات فترة تنظيم القاعدة، في حين تأتي الدعوة إلى "الجهاد بلا قيادة" من فترة السنوات اللاحقة لتنظيم القاعدة.

ولكن داعش جلبت أيظا عناصرها الخاصة جدا، والمتمثلة في فكرة الترويع الشعبي والطائفية الشرسة والجزع وإعادة إنشاء الخلافة فورا.

يبين لنا التاريخ أيضا أن شدة التطرف الإسلامي قد ارتفعت وانخفضت في فترات زمنية على مدى العقود الماضية. هذا يبعث على الاطمئنان، لكن الكثير من الخبراء يعتقدون أن الموجة الجديدة من أعمال العنف التي تقودها داعش، لا تزال ترتفع. ومع ذلك، من شبه المؤكد أن تنحسر هذه الموجة مرة أخرى عندما يتفاعل صناع السياسات والجماهير وتتكيف الخدمات الأمنية وتعاني الميليشيات كل أنواع الاستنزاف.

في الوقت الراهن هناك حالة من الجمود التكتيكي في سوريا والعراق. داعش غير قادرة على الصمود إذا لم تتمكن من التوسع. الفجوة التي فتحت بين التهديد الذي شكله متطوعي داعش في الغرب وبين الموارد المخصصة لمواجهة هذا التهديد جعلت الدول الغربية عرضة للخطر. كل هذا من المرجح أن يتغير في السنوات المقبلة و يمكننا أن نكون واثقين من أن ميزان القوى سيتأرجح مرة أخرى بعيدا عن المتطرفين كما حدث في المراحل السابقة.

ولكن تتبع نمو التهديد المعاصر محبط أيضا. ورغم هذا يمكن أن نتطلع إلى الوقت الذي تتفتت فيه داعش، ولكن احتمالية أن تكون الفترة الحالية هي الأخيرة، بالتأكيد لاتزال بعيدة.

http://www.theguardian.com/world/2015/nov/22/paris-mali-when-will-terror-attacks-end

السبت، 21 نوفمبر 2015

هل تعتقد أن داعش ليست إسلامية؟ فكر مرة اخرى

*روي عباس - هافينغتون بوست - نيويورك
السبت 21 نوفمبر 2015

ترجمة: عبدالرحمن أبوطالب

تلاطمت إمواج الإنترنت بتفاهات مبتذلة وسط هجمات باريس الإرهابية المروعة الأسبوع الماضي. أصبحت الأساس لكل الإكليشات السخيفة. غالبا لم يتمكن أحد من مقاومتها. لقد تم توظيفها من قبل الجميع  ابتداء من الرئيس أوباما وصولا إلى مدوني وسائل الاعلام الاجتماعي كما برزت فجأة في كل مكان، من قناة الجزيرة القطرية إلى قناة روسيا اليوم التي يمولها بوتين إلى قناة روسيل براند على يوتيوب.

لا يبدو أنه يمكن لغلين غرينوالد و نعوم تشومسكي و روبرت فيسك العيش بدونها، لقد أصبحت شعارا لأعداد كبيرة من علماء المسلمين.

يقال لنا أن " داعش لا علاقة لها بالإسلام".

مجرد فحص سريع للتاريخ وأدبيات الإسلام والقرآن والحديث يمكنه بسهولة فضح زيف الادعاء المذكورة أعلاه والمنافي للعقل ويبين حقيقة لامجال فيها للشك أن داعش ليست مستوحاة فقط من المفهوم الإسلامي للخلافة ولكنها تأثرت أيظا بشكل كبير بفقيه إسلامي متطرف من القرن الثالث عشر هو الشيخ تقي بن تيمية كما تأثرت لاحقا بشيخ دين من القرن الثامن عشر هو محمد بن عبد الوهاب.

داعش أو أي جماعة إرهابية أخرى مثل تنظيم القاعدة لا يقاتلون بلا هوادة ضد الغرب بسبب زيادة "المظالم المشروعة للمسلمين نتيجة اخطاء السياسة الخارجية الأمريكية" كما يعتقد روبرت فيسك ونعوم تشومسكي و تحالف أوقفوا الحرب. إذا تم اعتبار  المظالم والفظائع على أنها "أسباب منطقية" وراء هجمات داعش سيكون من المنطق إذا أن يسعى كل الهنود الذين يعيشون في بريطانيا للانتقام بسبب معاناة أجدادهم التي واجهوها أثناء الاستعمار البريطاني. وستنفذ بنجلادش هجمات ضد باكستان لأنها كانت تضطدها ذات يوم بلا رحمة، كما سينتقم اليهود من النمسا وألمانيا والمجر ورومانيا كون هذه الدول كانت من بين الجناة الرئيسيون للمحرقة. وسوف تهاجم فيتنام الولايات المتحدة انتقاما للكارثة التي سببتها، وسترد اليابان ضد الولايات المتحدة عن المأساة الإنسانية الهائلة الناجمة عن تفجيرات هيروشيما، وستنتقم الصين من اليابان بسبب مذبحة نانجينغ المروعة التي ارتكبتها عام 1937.

انه من السخف أن يستخدم العديد من المعلقين في وسائل الإعلام الغربية نظريات "المظالم" و "السياسة الخارجية" هذه لتعريف وتوضيح داعش فذلك يعتبر في نهاية المطاف بمثابة ذر الرماد في العيون ويتسبب في مزيد من الحيرة والتشويش حيالهم.

الحقيقة هي أن داعش قد حصلت على الأقل على شيء لفعله بالإسلام، والطريقة الوحيدة لمواجهتها هو التنصل لمفهوم الخلافة الإسلامية وانتقاده و القول أنه لا يوجد شيء إسلامي حول داعش يرقى إلى اتخاذ نهج التهاون حياله. مفهوم النبوة والخلافة هو العنصر الأساسي في أيديولوجية داعش ولم تأتيها من كتب ريتشارد دوكينز أو كريستوفر هيتشنز، فهي تنطلق وفق الأحاديث الإسلامية للنبي محمد. حتى طريقة عمل داعش مثل التحويلات ودفع الضرائب، أو الموت تنبع أيضا من ثقافة الحديث النبوى.

الإنكار القطعي لهذا على الرغم من ثقافة الخلافة الغير قابلة للجدال في الأحاديث، هو منتهى الجهل الذي يؤول في النهاية لالتماس العذر ومن ثم تسهيل الإسلام المتطرف. وذلك لأن هذا الإنكار يعطي مصداقية للنظرية الخادعة الغير منطقية المذكورة آنفا عن "المظالم المشروعة" والتي تحول دون الإنتباه المطلوب تجاه البربرية الإسلامية التوسعية لداعش وترسم بشكل غير مباشر صورة ودية لهؤلاء المتوحشين وتقدم حل واحد فقط هو أن "الغرب هم الشر والمسؤولون عن الإرهاب بسبب سياساتهم الخارجية ".

ليس هناك اي شك في فكرة أن غالبية المسلمين سلميون ويعارضون داعش بشدة. ولكن للأسف، فقد كانوا غافلون جدا حيال النصوص العدوانية والبغيضة في القرآن وأحاديث النبي محمد.

وهذا مرده، كما تقول فاطمة إمرا، لكون المسلمين الغير ناطقين باللغة العربية يقومون بتلاوة القرآن الكريم باللغة العربية دون فهم الآيات العنيفة، وعندما  يسمعونها في لغتهم الأم، يقال أن غالبية المسلمين غير مرتاحون للرسالة حتى أنهم يميلون إلى إما إلقاء اللوم على ترجمة خاطئة أو تفسير ذلك وفقا لمبادئهم الأخلاقية.

" الأقلية من المسلمين تتعامل مع القرآن كسلطة روحية مطلقة ويؤمنون بالتصرف بناء على التفسير الحرفي لهذه المقاطع القرآنية العنيفة والبغيضة. وكما رأينا في حالة داعش، فإن أقلية خطيرة مثلها هي كل ما يلزم لخلق الفوضى وتدمير مجتمعات بأكملها ".

كلما واجهت المسلمين بفكرة الربط بين داعش والإسلام، فإنهم عادة ما يردون بآية من القرآن تنص على أن الإسلام يحرم قتل الأبرياء. ولكن هذه الآية لديها ثغرة واضحة تسمح بأن يتم التلاعب بها بسهولة عن طريق داعش والمتطرفين الإسلاميين لتبرير الهجمات الإرهابية.

للأسف، فإن انتقاد الإسلام ليس مقبولا في العالم الإسلامي ولا حتى في الغرب، حيث يصف المسلمين المعتدلين منتقدي الإسلام بالإسلامفوبيين وينعتهم اليساريين الغربيين بالإلحاد في حين يتهمهم الليبراليين بالعنصرية.

هناك سبب آخر يفسر لماذا تعمل دعاية داعش بشكل فعال في تجنيد كثير من المسلمين في الغرب، ذلك أن معظم المسلمين لم يقوموا بالإدانة والإستنكار بنفس الحماس والكثافة التي يدينون بها إسرائيل عندما يتعلق الأمر بقضية فلسطين. في عام 2014، خرج الملايين من المسلمين في شوارع لندن ونيويورك وباريس وشيكاغو وغيرها من المدن ضد الأفعال الإسرائيلية في غزة، وامتلأت وسائل الاعلام الاجتماعي الى حد كبير بالغضب والصخب ضد الصهيونية وإسرائيل. لقد احتجوا بحماسة خارج السفارات الإسرائيلية عندما هوجمت غزة، فلماذا لم يقم المسلمين في الغرب  بنفس المبادرة لإدانة داعش الهمجية وتوبيخ سفارات السعودية وقطر (الذين مولوا داعش) بشكل جلي؟

لماذا لا نرى أبدا أي مظاهرات كبيرة ضد داعش تذكرنا بالاحتجاجات ضد إسرائيل؟

لماذا لا نرى أي حملات مماثلة لحركة BDS ضد قطر والسعودية لزيادة الضغط الاقتصادي والسياسي عليها للتخلي عن دعمها للتطرف الإسلامي؟

ما لم يعترف المسلمون بعناصر العنف في ثقافتهم الإسلامية ويعيدون إصلاحها وفقا لقواعد القرن الواحد والعشرين، فإن جماعات مثل داعش مع فكرتها في إحياء الخلافة ستستمر في الصعود، وستواصل الهجوم لتحقيق المهمة التي حددها الرئيس السابق لتنظيم القاعدة في العراق، أبو مصعب الزرقاوي، في أجندته المكونه من 7 نقاط والمستوحاه بشكل كبير من مفهوم الخلافة في الاسلام.

من المهم أن نفهم أن الإرهاب الإسلامي هو ظاهرة أيديولوجية وهذا هو السبب في كون العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب مثل هجمات الطائرات بدون طيار، وبعثات الاستطلاع والعمليات القتالية الأخرى ليست سوى حلول قصيرة الأمد وغالبا ماينتج عنها القضاء على كبار الأعداء من مخططين وقادة عمليات وموجهين فكريين ومن يقومون بالتجنيد. ولكن عمليات كهذة لا تهاجم وتشجب الأيديولوجية التي تتبناها هذه الجماعات لأن قتل ارهابي واحد يؤدي إلى ظهور الكثير غيره.

نحن لا نقاتل أشخاص متأثرون بالقومية، حيث يكون تحقيق السلام مرة واحدة كفيلا بحل القضايا الإقليمية، ولا نقاتل ضد حفنة من الطائشين والبلطجية. نحن نقاتل ضد أولئك الذين يميلون فكريا إلى إقامة خلافتهم الإسلامية وشريعتهم المتزمتة في جميع أنحاء العالم عن طريق تدابير عنيفة.

* روي عباس، محاسب مالي محترف، ومحلل استقصائي في مجال مكافحة الإرهاب. يكتب عن السياسة والدين والإرهاب. يعيش ويعمل في مانشستر، بريطانيا.

http://m.huffpost.com/us/entry/8608048